محمد بن وليد الطرطوشي

486

سراج الملوك

وبهذه الحيلة قهر ألب أرسلان « 1 » ملك الترك ، ملك الروم « 2 » ، وقمعه وقتل رجاله وأباد جمعه ، وكانت الروم قد جمعت جيوشا ، يقلّ أن يجمع لمن بعدهم مثلها ، وكان مبلغ عددهم ستّمائة ألف مقاتل ، كتائب متواصلة ، وعساكر مترادفة وكراديس « 3 » يتلو بعضها بعضا ، لا يدركهم الطرف « 4 » ، ولا يحصيهم العدد ، وقد استعدوا من الكراع « 5 » والسلاح ، والمجانيق « 6 » ، والآلات المعدة لفتح الحصون في الحرب بما لا يحصى ، وكانوا « 7 » قد قسموا بلاد المسلمين : الشام ، ومصر ، والعراق ، وخراسان ، وديار بكر ، ولم يشكّوا أن الدولة قد دارت لهم ، وإن نجوم السّعود قد خدمتهم ، ثم استقبلوا بلاد المسلمين ، فتواترت أخبارهم إلى بلاد المسلمين ، واضطربت لها ممالك الإسلام ، فاحتشد للقائهم ألب أرسلان التركي ، وهو الذي يسمى - الملك العادل - ، وجمع جموعه بمدينة أصبهان - واستعد بما قدر عليه ، ثم خرج يؤمهم فلم يزل العسكران يتدانيان إلى أن عادت طلائع المسلمين إلى المسلمين ، وقالوا لألب‌أرسلان : غدا يتراءى الجمعان ، فبات المسلمون ليلة الجمعة ، والروم في عدد لا يحصيهم إلا الذي خلقهم ، وما المسلمون فيهم إلا أكلة جائع ، فبقى المسلمون واجمين « 8 » لما دهاهم « 9 » ، فلما أصبحوا صباح يوم الجمعة ، نظر بعضهم إلى بعض ، فهال المسلمين ما رأوا من كثرة العدو ، وقوّتهم وآلاتهم ، فأمر ألب أرسلان أن يعدّ المسلمون ، فبلغوا اثنى عشر ألف

--> ( 1 ) السلطان ألب أرسلان الملقب بسلطان العالم ابن داود جفرى بك بن ميكائيل بن سلجوق التركي ، صاحب الممالك المتسعة ملك بعد عمه طغرل بك ، كان عادلا كريما رحيما بالرعيّة كثير الصدقات وكان وزيره نظام الملك الذي سبق وعرفنا به ، اغتيل سنة 465 ه ( بغية الطلب في تاريخ حلب 4 / 1971 ) . ( 2 ) هو الملك أرمانوس ، هزمه السلطان ألب أرسلان في ( ملاذ كرد ) سنة 464 ه وأسره وقمع رجاله كما في النص . ( الكامل في التاريخ 8 / 387 ) . ( 3 ) الكراديس طائفة عظيمة من الخيل والجيش . ( 4 ) الطرف : البصر أو العين . ( 5 ) الكراع : اسم يطلق على الخيل والبغال والحمير . ( 6 ) المجانيق : جمع منجنيق وهي الآلة الحربية التي كانوا يرمون بها . ( 7 ) أي الروم . ( 8 ) وجم وجوما : سكت وعجز عن الكلام إما من الغيظ أو الخوف . ( 9 ) دهاهم : أصابتهم داهية والداهية هي المصيبة أو الأمر العظيم .